أحمد بن محمد المقري التلمساني

3

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

[ الجزء الثامن ] [ تتمة القسم الثاني ] [ صلة الباب الخامس من القسم الثاني في إيراد جملة من نثر لسان الدين ] الباب الخامس [ خطبة كتاب في المحبة للسان الدين ] ومن نثر لسان الدين رحمه اللّه تعالى خطبة كتاب في المحبة الذي ما ألف في فنّه أجمع منه ، ولنوردها فإنّ فيها دلالة على فضله وعظم قدر الكتاب ، وهي : « اللهمّ طيّب بريحان ذكرك أنفاس أنفسنا الناشقة ، وعلّل بجريال حبّك جوانح أرواحنا العاشقة ، وسدّد إلى أهداف معرفتك نبال نبلنا الراشقة ، واستخدم في تدوين حمدك شبا « 1 » أقلامنا الماشقة ، ودلّ على حضرة قدسك خطرات خواطرنا الذائقة ، وأبن لنا سبل السعادة التي جعلت فيها الكمال الأخير لهذه الأنفس الناطقة ، واصرفنا عند سلوكها عن القواطع العائقة ، حتى نأمن مخاوف أجبالها الشاهقة ، وأحزابها المنافقة ، وأوهامها الطارقة ، وبرازخها الغاسقة « 2 » ، فلا تسرق بضائعنا العوائد السارية السارقة ، ولا تحجبنا عنك العوارض الجسمية اللاحقة ، ولا الأنوار المغلظة البارقة ، ولا العقول المفارقة ، يا من له الحكمة البالغة والعناية السابقة ، وصلّ على عبدك ورسولك محمد درّة عقود أحبابك المتناسقة ، وجالب بضائع توحيدك النافقة ، المؤيد بالبراهين الساطعة والمعجزات الخارقة ، ما أطلعت أفلاك الأدواح زهر أزهارها الرائقة ، وحدت قطار السحائب حداة رعودها السائفة ، وجمعت ريح الصّبا بين قدود أغصانها المتعانقة . « أمّا بعد ، فإنه لمّا ورد على هذه البلاد الأندلسية المحروسة بحدود سيوف اللّه حدودها ، الصادقة بنصر اللّه للفئة القليلة على الفئة الكثيرة وعودها ، وصل اللّه تعالى عوائد صنعه الجميل لديها ، وأبقاها دار إيمان إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومن عليها - « ديوان الصبابة » - وهو الموضوع الذي اشتمل من أبطال العشّاق على الكثير ، واستوعب من أقوالهم الحديثة والقديمة كلّ نظيم ونثير ، وأسدى في غزل غزله وألحم « 3 » ، ودلّ على مصارع شهدائهم من وقف

--> ( 1 ) شبا : جمع شباة وهي طرف الرمح أو السيف ، والماشقة : جمع مشق بالضم ، وهو الطول مع الرقة ، وأراد بالأقلام الماشقة أنها سريعة الإجابة في الكتابة . ( 2 ) في ب « وبرازخها القاسية الغاسقة » . ( 3 ) أسدى : فعل ماض من السدى ، وهو ما كان من خيوط الثوب طولا . وألحم : فعل من اللحمة وهو ما كان من خيوط الثوب عرضا .